محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

544

بدائع السلك في طبائع الملك

قلت : ولا يدفع ذلك الا من تحصيل أمرين : أحدهما : ان تصريف النعمة في الطاعة متوقفة على معرفة ما هي الطاعة ، ومتى فات ذلك ، لم يمكن القيام بحق الشكر . الثاني : ان الكفران بتصريف النعمة في المعصية ، اما بترك الاستعمال جملة ، أو تعلقها بها مخالفة ، فالنقدان مثلا ان نفقا في طاعة واجبة أو مندوبة ، فشكران ، وان كنزا تعطيلا لحكمة الانتفاع بهما ، فكفران . والمعاملة بهما بالربا وانفاقهما في سرف . أو محظور ، أو صوغهما آنية أسوأ في الكفران من مجرد اكتنازهما فقط . المسألة الثالثة : متعلق الشكر من النعم ضربان : أحدهما : ما هو نعمة بنفسه ، حسبما يرد تقسيمه ، إن شاء الله ، والشكر عليهما لا اشكال فيه . الثاني : ما يتضمن النعمة كالشدائد والمصائب ؛ فقد قال عمر بن الخطاب : ما ابتليت ببلية الا كان لله على فيها أربع نعم إذ لم تكن في ديني ، وإذ لم تكن أعظم ، وإذ لم أحرم الرضى بها ، وإذ رجوت الثواب عليها . قال الغزالي : ومنها أنها زائلة ، وأنها من الله تعالى ، وان كانت بسبب مخلوق ، فإنه لك عليه لا له عليك . قلت : وانها تخفف الذنوب أو تحطمها . قالوا فالشكر : انما هو على النعم المقترنة بالشدة ، لا على مجردها من حيث هي ، والصبر هو الواجب فيها من تلك الجهة . المسألة الرابعة : قال الغزالي : النعم قسمان : دنيوية ودينية . فالأولى ضربان : نعمة نفع ، ونعمة دفع ، فنعمة النفع : الخلقة السوية والملاذ الشهية ، ونعمة الدفع سلامة النفس من آفاتها الذاتية ، ووقايتها من المؤذيات الخارجية . والثانية ضربان : نعمة توفيق ، ونعمة عصمة ، فنعمة التوفيق للاسلام